لا تتأخري…أبناؤك بانتظارك

أي ألمٍ هذا الذي يجعلنا مكبلين بالأغلال…لا نقوى على الكلام…أي خبث هذا الي يباغتنا لينزع الأمان منا
رغم أن طفولتها كانت هادئة، إلا أن شخصيتها امتزجت بين الهدوء والثورة، بين الفرح والحزن.

مرح هو الاسم الذي أطلقته عليها والدتها، كبرت مرح وترعرت مثل باقي جيلها حتى وصلت إلى الثانوية العامة بتفوق ونجاح، لتبدأ بعدها مسيرتها الجامعية في تخصص المحاماة.

لم تُفكر مرح يوماً بالزواج نظراً للمسؤوليات التي تقع على عاتقها، إلا أن ذلك الشاب لم يكن شبيهاً بأحد، بل شبيهاً بشخصيتها وشعورها بالمسؤولية، عرض عليها الزواج والاستقرار معاً، بشرط أن تبقى والدتها إلى جانبها.

لم يقتصر الأمر على كونها فتاة مميزة منذ الصغر، بل كانت أيضاً زوجة يُفتخر بها، لم يكف زوجها عن شكر الله لتوفيقه بزوجة مدبرة لكل شيء.

رزقهما الله بطفلتين الفارق بينهما سنتين، كانت تعشق الأطفال وترغب في الإنجاب بشكل متتابع. كبرت الفتاتان أمام عينيها بشكل سريع ومرعب، وكانت تخشى عليهما من كل شيء، ربما لأن طبيعية عملها الصعبة تحتم عليها الخوف، وربما بسبب الظروف الصعبة التي عاشتها نتيجة طلاق والديها ومرض والدتها.

عانت الفتاتان من الأوامر الصارمة التي تمنعهم من تناول الأطعمة الجاهزة والمشروبات السكرية منذ الصغر، كانت والدتهما حريصة جداً على تنشئتهم التربية الصحيحة لعقل سليم وجسم سليم.

لم تعتقد يوماً أنها أغفلت أي أمر يتعلق بصحة زوجها ووالدتها وابنتيها اللتان أصبحتا في سن المراهقة، لم تدرك يوماً انها ارتكبت أسوأ جريمة في حياتها وحياة من حولها والذي تحول إلى كابوس مؤلم.

يوم الأثنين الساعة العاشرة صباحاً
استيقظت في ساعة متأخرة على غير عادتها، بدأت بتجهيز نفسها للذهاب إلى المرافعة، إلا أنها لم تستطع أن تتحمل ذلك الألم الذي تشعر به في ثدِيها، كانت مُتعبة وكأنها تحمل أثقال الحياة معها في هذا الصباح.

مضى يومها بتعب شديد لم يسعفها للقيام بواجباتها المنزلية كالعادة، ولأول مرة في ساعات الليل لاحظ كل من في المنزل الهدوء والروح المتعبة التي أوت إلى الفراش دون أن تنطق بكلمة.

استمر تعبها الذي ظنته معتاداً دون أن تفكر في الذهاب إلى الطبيب، وكيف لها أن تخصص جزءاً من وقتها وهي التي اعتادت أن تكون حياتها فقط لخدمة من حولها.

بدأت الأفرازات الدموية من الثدي تزداد تدريجياً، خشيت الأمر كثيراً لدرجة أنها أصبحت مرعبة من الذهاب إلى الطبيب، ولكن زوجها الذي لاحظ الأمر أصر على الذهاب معها في الحال.

أظهرت الفحصوصات إصابتها بسرطان الثدي، كان وقع الخبر عليها كالصاعقة، أنكرت وتجاهلت الأمر مٌوجِهة أصابع الاتهام للمختبر والأطباء الذين قامو بفحصها، أعادت الذهاب إلى طبيب آخر وأطباء كثر وهي مصرة على عدم إصابتها بالمرض، إلى أن واجهت الحقيقة والواقع باستسلام رافضة للخضوع إلى أي إجراء علاجي.

واجهت اللوم من ابنتيها وزوجها وأمها لأهمالها نفسها طيلة تلك السنوات، وعدم ذهابها للطبيب للفحص المبكر، فهي إنسانة مثقفة ربت ابنتيها على مبادئ لم تستطع أن تُطبقها على نفسها، لم ترضى ابنتيها أن تستلم، وخاصة أنهما بأمس الحاجة لها.

قررت في النهاية أن تقاوم المرض لتُحدد موعداً لعملية استئصال الثدي بعد أن أشار الأطباء بضرورة العملية، ومن ثم خضوعها لجرعات العلاج الكيميائي.

بعد مضي أسبوعين
كان التكيف أمراً صعباً جداً في البداية، أصابتها حالة من الاكتئاب نتيجة ندمها لعدم اهتمامها بصحتها وعدم ذهابها للفحص المبكر، إلا أن الندم لا ينفع بعد فوات الآوان، وهي الأن بصحة جيدة مع عائلتها والأهم من ذلك وجود الله إلى جانبها، استطاعت بدعمهم جميعاً وإرداتها القوية الصمود إلى أن بدأت حياتها تعود إلى طبيعتها.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s