إدمان

كانت هذه المحاولة الأخيرة بالنسبة لها حتى تقف على قدميها من جديد أو تختار الاستسلام والموت.

حاولت كثيراً في تلك السنوات الماضية، حاولت جاهدة بكل الطرق والوسائل حتى تقلع عن الإدمان، إلا أن جميع ما تكبدته باء بالفشل حين كانت ترفع راية الاستسلام وتعود إلى تناول المخدرات بمنأى عن عائلتها وأصدقائها الذين لطالما حاولوا دعمها وثنيها على العودة …

كان هناك شيء بداخلها يريد الشفاء والإبتعاد والعيش بكرامة من جديد، شيء بداخلها يريد إعادة البسمة والفرح إلى عيني والدتها التي تدهورت صحتها حين علمت بإدمان ابنتها الوحيدة، شيء يثير غضبها كلما حاولت أن تصمد وتصمد إلى أن يباغتها إلم الإدمان في جسدها.

بالنسبة إليها هذه هي المحاولة الأخيرة بعد أن لجأت إلى أكثر من مشفى للتعافي من الإدمان الذي كان يعود إليها لعدم قدرتها على الثبات، هذه المرحلة تعني لها كثيراً رغم الألم الذي تشعر به ، لقد قررت أن تكون هذه المحاولة الأخيرة كونها أرهقت كثيراً من الاستمرار لدرجة أنها لم تعد قادرة على تحمل ضياع سنة جديدة من حياتها في هذا العذاب، لجأت إلى الله الذي لطالما آمنت به ، تضرعت باكية بحرقة وألم تريد الشفاء، كان يخطر في بالها أن تشرب المخدرات للمرة الأخيرة قبل أن تعلن الإضراب، ولكن دائماً المرة الأخيرة تتلوها مرات أخرى دون توقف ، فلا يوجد محاولة أخيرة فيما يتعلق بالأدمان ، وهذا ينطبق على كافة أنواع الإدمان……

جاءت بكتاب قديم لها كانت قد هجرته سنوات عديدة في حياتها، عادت تدون ما تريد القيام به ، عادت تريد المحاولة بجرأة وقوة ، عادت لأنها مجبورة على ذلك ، فإما ” حياة تسر الصديق، وإما ممات يغيظ العدى”.

نشاهد الكثير من مظاهر الإدمان سواء الإدمان على الأشياء كالمخدرات والحشيش أو الأدمان على الأشخاص في حالات الحب والعشق، جميعها موجعة وحارقة للقلوب، ولكن إن لم نصر على الصمود ، إن لم نصر على العيش بكرامة، لن نستطيع في حياتنا المضي قدماً في الحياة… أعلم أن الأمر بغاية الصعوبة بالنسبة للمريض، وبالنسبة للسجين، وبالنسبة للعاشق، إلا أنه لا ضير في المحاولة إلى الرمق الأخير في الحياة.

وداع دون سابق إنذار

بعيون صامتة وقلب مثقل بالقهر مضى ثلاثة أيام من عمري وأنا أراقب عن كثب ما يجري دون أن أنطق بكلمة، دون أن أعبر عن الأنين الذي يمتلكني وعن الكآبة التي تغرق روحي التي تقاوم لعل هذا يغير شيئاً داخلي ولكن دون جدوى..

اليوم ولأول مرة أشعر بألم الرجال حين لا تسقط من أعينهم دمعة وهم في عز وجعهم، الآن يمضي ثلاثة أيام لم أستطع فيها البكاء لعل النار المشتعلة تنطفئ داخلي، الآن أشعر أني بأمس الحاجة إلى البكاء والبكاء حتى يجف دمعي.

أمضيت أيامي الأخيرة في هوس متابعة أي خبر جديد، وضعت نفسي مكان كل عائلة وهي تتلوى من شدة الخوف والقلق، وضعت نفسي بدلاً من الأطفال وهم يصرخون بشدة لدرجة أني أرهقت نفسي ولم أجد سبيلاً للنوم وصراخهم في عقلي وكأنهم يستنجدون بي، كرهت كوني أعشق الكتابة لأجلهم، كرهت خيالي الذي يمتلك القدرة على وضعي في كل المواقف والمشاعر، كرهت لكوني أنا من شدة ألمي..

لم يبق هناك شيئاً لم أتابعه من أخبار أو تعليقات، هزتني بعض التعليقات التي جعلت من المآساة ساحة للحرب بين أشخاص باتوا يتبادلون الشتائم لاختلاف آرائهم وتفسيراتهم في أشد الوقت آيلاماً…

أعتذر لنفسي التي تحارب داخلها كافة الظواهر المؤلمة التي يشهدها الوطن لترفع راية الاستسلام والحداد لكوني عاجزة عن محو الألم والقهر السائد في أرجاء وطني.

لحظة إدراك

كنت أسمع منذ صغري أن من يخشى شيئاً معيناً سوف يصادفه في حياته، وربما قد يكمن تفسير هذه العبارة في أن مواجهة الشي الذي نخشاه قد يظهر إما شجاعة الإنسان في مواجهة صعوبات الحياة أو ضعفه واستسلامه في المواجهة.

كانت هناك العديد من الامور التي أخشاها من ضمنها الوحدة، وبعد أن واجهت الحياة واكتسبت العديد والعديد من الأصدقاء حتى تجاهلت خوفي من الوحدة، وباتت روحي أكثر تعلقاً بعائلتي وأصدقائي وبكل من حولي ، إلى أن جاء اليوم الذي بت فيه وحيدة ، اختفى فيه جميع أصدقائي وأقاربي الذين كانو يملون علي حياتي، أصبحت بعدها هائمة في الحياة أشعر بقيود السجين في مآواه.

وبالرغم من حريتي التي امتلكها في حياتي وبشؤوني إلا اني كنت وحيدة الجلوس ووحيدة الظهور أمام الملأ ، كنت أحتسي القهوة بمفردي، وكنت أخرج لتناول الطعام وأراقب العائلات والفتيات والشباب عن كثب، أبتسم عند رؤية الفرح على وجوههم، أبتسم لأن الحياة ما زالت مستمرة معطاءة رغم الأسى الذي يواجهه الإنسان في حياته، وفي ليلة من الليالي التي كنت أشعر فيها بروحي تموت يوما بعد يوم، قمت إلى الصلاة في الليل داعية الله أن يخرجني من الضيق كما أخرج سيدنا يونس من بطن الحوت، كنت أردد لا إلله إلا أنت سبحانك أني كنت من الظالمين، أردد وأردد تلك العبارة حتى أيقنت أني ظلمت نفسي وأدركت جهلي.

ابتلع الحوت سيدنا يونس بعدما قرر المضي والاستسلام، وأما أنا فقد كان الحوت الذي ابتلعني يمثل رفعي لراية الاستسلام واليأس عندما ظننت أني أصبحت وحيدة في الحياة، كان خطأي أني نسيت كلام الله حينما قال في كتابه” ونحن أقرب إليه من حبل الوريد” ، كيف أشعر بوحدتي والله بجانبي في كل لحظة، أدركت حينها اني لست وحيدة، فعائلتي بخير وكذلك أصدقائي ربما هم منشغلون في حياتهم إلا أن الله إلى جانب كل منا في السراء والضراء

لا تكفوا يوماً عن العطاء، لا تكفو يوماً عن الحب ، لا تكفو يوماً عن زرع الخير والسلام في كل مكان، يجب علينا أن نحب انفسنا ونحب جميع من حولنا، ولا ننسى أننا زائرون، لا نعرف في أي يوم قد نودع فيه الحياة… الحياة جميلة ، صحيح أنها مليئة بالمتاعب والصعاب ولكن الحب أجمل ما فيها، وفي النهاية لا تنسوا أن الله بجانبكم دائماً.

لا تتأخري…أبناؤك بانتظارك

أي ألمٍ هذا الذي يجعلنا مكبلين بالأغلال…لا نقوى على الكلام…أي خبث هذا الي يباغتنا لينزع الأمان منا
رغم أن طفولتها كانت هادئة، إلا أن شخصيتها امتزجت بين الهدوء والثورة، بين الفرح والحزن.

مرح هو الاسم الذي أطلقته عليها والدتها، كبرت مرح وترعرت مثل باقي جيلها حتى وصلت إلى الثانوية العامة بتفوق ونجاح، لتبدأ بعدها مسيرتها الجامعية في تخصص المحاماة.

لم تُفكر مرح يوماً بالزواج نظراً للمسؤوليات التي تقع على عاتقها، إلا أن ذلك الشاب لم يكن شبيهاً بأحد، بل شبيهاً بشخصيتها وشعورها بالمسؤولية، عرض عليها الزواج والاستقرار معاً، بشرط أن تبقى والدتها إلى جانبها.

لم يقتصر الأمر على كونها فتاة مميزة منذ الصغر، بل كانت أيضاً زوجة يُفتخر بها، لم يكف زوجها عن شكر الله لتوفيقه بزوجة مدبرة لكل شيء.

رزقهما الله بطفلتين الفارق بينهما سنتين، كانت تعشق الأطفال وترغب في الإنجاب بشكل متتابع. كبرت الفتاتان أمام عينيها بشكل سريع ومرعب، وكانت تخشى عليهما من كل شيء، ربما لأن طبيعية عملها الصعبة تحتم عليها الخوف، وربما بسبب الظروف الصعبة التي عاشتها نتيجة طلاق والديها ومرض والدتها.

عانت الفتاتان من الأوامر الصارمة التي تمنعهم من تناول الأطعمة الجاهزة والمشروبات السكرية منذ الصغر، كانت والدتهما حريصة جداً على تنشئتهم التربية الصحيحة لعقل سليم وجسم سليم.

لم تعتقد يوماً أنها أغفلت أي أمر يتعلق بصحة زوجها ووالدتها وابنتيها اللتان أصبحتا في سن المراهقة، لم تدرك يوماً انها ارتكبت أسوأ جريمة في حياتها وحياة من حولها والذي تحول إلى كابوس مؤلم.

يوم الأثنين الساعة العاشرة صباحاً
استيقظت في ساعة متأخرة على غير عادتها، بدأت بتجهيز نفسها للذهاب إلى المرافعة، إلا أنها لم تستطع أن تتحمل ذلك الألم الذي تشعر به في ثدِيها، كانت مُتعبة وكأنها تحمل أثقال الحياة معها في هذا الصباح.

مضى يومها بتعب شديد لم يسعفها للقيام بواجباتها المنزلية كالعادة، ولأول مرة في ساعات الليل لاحظ كل من في المنزل الهدوء والروح المتعبة التي أوت إلى الفراش دون أن تنطق بكلمة.

استمر تعبها الذي ظنته معتاداً دون أن تفكر في الذهاب إلى الطبيب، وكيف لها أن تخصص جزءاً من وقتها وهي التي اعتادت أن تكون حياتها فقط لخدمة من حولها.

بدأت الأفرازات الدموية من الثدي تزداد تدريجياً، خشيت الأمر كثيراً لدرجة أنها أصبحت مرعبة من الذهاب إلى الطبيب، ولكن زوجها الذي لاحظ الأمر أصر على الذهاب معها في الحال.

أظهرت الفحصوصات إصابتها بسرطان الثدي، كان وقع الخبر عليها كالصاعقة، أنكرت وتجاهلت الأمر مٌوجِهة أصابع الاتهام للمختبر والأطباء الذين قامو بفحصها، أعادت الذهاب إلى طبيب آخر وأطباء كثر وهي مصرة على عدم إصابتها بالمرض، إلى أن واجهت الحقيقة والواقع باستسلام رافضة للخضوع إلى أي إجراء علاجي.

واجهت اللوم من ابنتيها وزوجها وأمها لأهمالها نفسها طيلة تلك السنوات، وعدم ذهابها للطبيب للفحص المبكر، فهي إنسانة مثقفة ربت ابنتيها على مبادئ لم تستطع أن تُطبقها على نفسها، لم ترضى ابنتيها أن تستلم، وخاصة أنهما بأمس الحاجة لها.

قررت في النهاية أن تقاوم المرض لتُحدد موعداً لعملية استئصال الثدي بعد أن أشار الأطباء بضرورة العملية، ومن ثم خضوعها لجرعات العلاج الكيميائي.

بعد مضي أسبوعين
كان التكيف أمراً صعباً جداً في البداية، أصابتها حالة من الاكتئاب نتيجة ندمها لعدم اهتمامها بصحتها وعدم ذهابها للفحص المبكر، إلا أن الندم لا ينفع بعد فوات الآوان، وهي الأن بصحة جيدة مع عائلتها والأهم من ذلك وجود الله إلى جانبها، استطاعت بدعمهم جميعاً وإرداتها القوية الصمود إلى أن بدأت حياتها تعود إلى طبيعتها.

لسعة سيجارة

لم أفكر يوماً بالثمن الذي سأدفعه من وراءِ التجربة، لم أكن أريد المضي على هذا النحو، أردت فقط أن أتحلى أمامهم بالرجولة، لم أرغب أن يطلقوا علي لقب الجبان.

كنت أبلغ من العمر أربعة عشر عاماً، حين جربت أول سيجارة، لم أحب يوماً رائحة السجائر وخاصة أن أمي وأبي غير مدخنين، وبالرغم من عدم رغبتي أن أصبح مدخناً، إلا أن السيجارة الأولى تبعتها سجائر عديدة، فدائماً كنت أشعر بحاجتي للتدخين في أوقات الدراسة، والسهر مع أصدقائي، وفي اللحظات التي كنت أشعر فيها بالغضب.

استمر الحال على هذا النحو سنين عديدة، وفي عامي الخامس والعشرين تعرفت على فتاة وأعجبت بها، تغيرت كثيراً بعد أن وقعت بحبها، كانت تشبه كثيراً أطباع عائلتي وتفكيرهم، حتى في كرهها أيضاً للتدخين، فقد كانت تعاني من الحساسية المفرطة من دخان السجائر والروائح العطرة.

أذكر أني حين تقدمت لخطبتها كان طلبها الوحيد أن أحاول التوقف عن التدخين، وهذا ما تمنيته دوماً، ولكن إرادتي كانت ضعيفة جداً، وبعد شهور عدة تم زواجنا.

حملت زوجتي بعد زواجنا بشهر، لم أشعر بالسعادة تغمر روحي بهذا القدر من قبل، أحببت الأطفال منذ صغري، وكنت أشعر دوماً بالمسؤولية تجاه أخوتي الصغار.

قررت في ذلك الوقت أن أقلع عن التدخين، لم أرغب أن يكبر أبني ليراني قدوة سيئة أمامه، تركت التدخين تدريجياً بصعوبة ونجحت في ذلك لأكثر من ثلاث سنوات.

كان ابني في سن الرابعة من العمر حين حملت زوجتي مجدداً، كانت حياتي تسير على أفضل ما يرام، إلى أن واجهت مشاكل كثيرة مع مديري ترتب عليها تقديم استقالتي، لأبدأ رحلة البحث عن عمل جديد.

لم أتوقع أن تغلق الأبواب في وجهي بهذا النحو، فلقد كانت خبرتي طويلة في العمل ولدي مؤهلات عالية، إلا أن الوضع الاقتصادي السائد كان صعباً على البلد بأسره.

في تلك الفترة بدأت بالعودة تدريجياً إلى التدخين دون علم زوجتي، إلى أن أصبحت أدخن في السيارة حين نخرج معاً، ليتطور الأمر لأدخن أيضاً في المنزل، فالفراغ الذي كنت أعاني منه، بالإضافة إلى المسؤوليات التي تقع على عاتقي كانت ترهقني ليلاً ونهاراً فلا أعرف طعم النوم ولا الراحة.

ازدادت شراهتي في التدخين إلى أن وصل بي الأمر لأدخن أربعين سيجارة في اليوم، كان ابني يقول لي دوماً بابا أنا لا أحب رائحة الدخان، في حين أصبحت أنا وزوجتي على جدال مستمر.

مضى عامين لم أستطع فيها أن أحصل على عمل بشهادتي، عملت في ذلك الوقت بعدة محلات، إلى أن مللت وفقدت الأمل، وقررت الجلوس في المنزل.

لم أكن قادراً على تحمل مصيبة جديدة في حياتي، لم أكن قادراً على الصمود في ذلك الوقت، ولكن ما لم أحسب له حساباً أن يتدهور وضع طفلي الصحي، فأصبح سعاله لا يطاق، إلى جانب شكواه من ألماً في الصدر.

كنا نداويه بالأدوية المضادة للالتهاب وأدوية السعال، إلى أن ازداد وضعه سوءاً وبدأ يخسر الكثير من الوزن، لنكتشف بعد ذلك إصابته بمرض ” سرطان الرئة”.

كان وقع الخبر كالموت بالنسبة لي ولزوجتي التي ما أن علمت بالخبر حتى انهالت علي بالصراخ والشتيمة ، تحولت زوجتي من إمرأة محبة إلى زوجة كارهة لي، فاتهمتني أنني السبب نتيجة إهمالي وتدخيني في المنزل أمام أطفالي، لم أكن قادراً على تحمل الخبر، فكيف لي أن أتحمل كل اللوم وعذاب الضمير الذي أصبح يتملكني؟.

أصبحت حياتي سوداء لا ضوء فيها، أتمنى ليلاً ونهاراً أن أصاب بالمرض بدلاً عن طفلي، لا طاقة لي على تحمل خسارته والعيش من بعده.

بدأ علاج طفلي في ذلك الوقت، أجبرت نفسي على الوقوف إلى جانبه ودعم زوجتي وطفلتي، أقلعت عن التدخين، تحملت كافة الظروف والضغوطات، لم أكف يوماً عن السهر إلى جانبه، ولكن جسده ومناعته الضعيفة لم تكن قوية كفاية ليقاوم المرض، فبات وضعه تارة يسوء وتارة يتحسن.

بعد مضي شهور عدة ذقت فيها ألم الموت، أخبروني الأطباء بتحسن حالة طفلي ليتجاوز مرحلة الخطر، لم تسعني الحياة من الفرح، انتلقت به إلى المنزل بعد غياباً طويل نسيت فيها أجمل اللحظات التي قضيناها من شدة خوفي، كانت تجربة قاسية مررت بها ولكنها رغم قسوتها كانت ضربة لي لإهمالي، فبالرغم من أنها مشيئة الله ولكني كنت أعلم أن استنشاق الدخان لمن حولي ليس أقل ضرراً من التدخين، فهو يؤدي للعديد من الأمراض ويزيد من خطر الإصابة بسرطان الرئة لغير المدخن، ورغم هذا لم أمتنع عن التدخين رأفة بصحة بزوجتي وأطفالي.

ما حدث قد مضى وقد دفعت الثمن كثيراً ولكني اليوم شخص آخر اهتم بصحة زوجتي وأطفالي وبصحتي، في كل يوم أرى أبني يكبر أمامي فتدمع عيناي من الفرحة.

مذكرات خلف القضبان

استيقظت صباحاً متسائلة عما حدث لها، وما هي إلا ثوانٍ حتى سمعت عبارة “مبارك وألف الحمدلله على سلامتك وسلامة التوأم”، لتظهر ملامح السعادة على وجنتيها، كانت اللحظة تساوي عندها حياة بأكملها، فهذه هي الولادة الأولى لها، مضى كل شي على ما يرام، فصحتها بخير وكذلك صحة التوأمان إلى جانب أن تكاليف المستشفى والولادة تم تغطيتها، إلا أن الشي الغريب بالنسبة للمرضات اللواتي اعتنين بها هو عدم حضور أي من الزوج أو الأقارب أو الأصدقاء إلى جانبها، شعرت بكافة علامات التساؤل والغرابة التي كانت تعلو وجه الممرضات، فتارةً يسألنها عن موعد قدوم زوجها أو والدتها، وتارةً أخرى يسألنها إن كانت مطلقة، بالإضافة إلى تسائلهم عن الشخص الذي تحمل تكاليف المستشفى.

لم تكن بوضع يسمح لها بالإجابة على جميع التساؤلات في ظل ظروفها الحالية، فهي ما زالت تعاني آلام الولادة إلى جانب رغبتها العارمة في البكاء، واشتياقها و حاجتها الملحة إلى والدتها التي توفيت منذ زمن.

غنى وفرح تلك أسماء الطفلتين، وربما كان اختيارها لهذه الأسماء تفائلاً منها بقدوم الفرح المفقود في حياتها.

مضى شهر كامل على ولادتها وهي لوحدها في منزل أخيها ، فزوجها لم يرغب برؤيتها بعد ولادتها الطفلتين، فهي لم تنجب ذكراً يحمل أسمه في الحياة، في حين أن أخاها المتزوج لم يستطع أن يحضر إليها ، إلا أنه هو الذي تبرع بنفقات ولادتها إلى جانب إحضاره ممرضة تزورها يومياً لمدة أسبوعين حتى تتحسن أحوالها، لم تكن تدرك ما نهاية زواجها، هل سوف تتطلق أم أنها سوف تبقى كالمعلقة مدى الحياة ؟ ورغم كل وحدتها وقسوة ما تعانيه إلا أن جزءاً منها كان يشعر بالسعادة التي قد يجهل سببها الكثير.

وما هي إلا أيام حتى جائها اتصال من أخيها يطلب إليها أن تعود إلى منزلها، كانت مستاءة جداً مما سمعته ، فكيف لها أن تعود إلى منزل زوجها الذي لم يزرها أبداً منذ ولادتها إلى الآن، استمر أخوها في مخاطبتها وخلق التبريرات لزوجها الذي لم يتنازل حتى بالاتصال بها أو بالمجيء لإعادتها إلى المنزل، وعلى الرغم من أن أخاها لا يعلم حقيقة الخلافات بينها وبين زوجها إلا أنه و بحكم العادات و التقاليد يرفض فكرة انفصالها عن زوجها و يعتقد بوجوب تحملها من أجل أطفالها.

عادت …. كان اللقاء به كالموت بالنسبة لها، احتضنها بعبارات الحب والغزل، إلا أنها لم تحدث أثراً في نفسها، ربما عادت بجسدها إلا أن قلبها لم يعد ولن يعود أبداً معها، ومضى ذلك اليوم بهدوء تام على الرغم من الضجة التي أحدثتها الطفلتان في المنزل و التي لم يعتد عليها.

باتت الأيام والسنوات التي تعيشها متشابهة، إلا أن صحتها بدأت تتدهور يوماً بعد يوم، في حين أن الفتاتين كانتا تكبران مع اختلاف شخصية كل منهما عن الأخرى، فغِنى كانت فتاة هادئة جداً وقلقة وخائفة دائماً ، في حين كانت فرح فتاة مرحة تحب اللعب والضحك أغلب الوقت على عكس شقيقتها التي ولدت قبلها بدقائق.

وعلى الرغم من تماثل سنهما إلا أن غنى كانت دائماً تعامل أختها التوأم وكأنها أصغر منها، فكانت تحميها دائماً وتخفي عنها الكثير من الحقائق التي لا يعلمها سوى هي ووالدتها، فهناك ذكريات مؤلمة مليئة بالدموع شهدتها غنى في الوقت الذي كانت فيه تقوم بإلهاء شقيقتها عن مشاهدة الحقيقة والواقع المرير، بينما كانت فرح ترقص وتلهو في عالمها الخاص.

مضت الأيام وكبرت الفتاتان وبدأ الخٌطاب يتهافتون إلى البيت، ورغم اختلاف رغباتهم وتضاربها، فغنى كانت تشعر بالحرقة فهي لا تريد الزواج أبداً إلا أنها تشعر بالخوف على أختها، في حين كانت فرح تحلم بالزواج وارتداء الفستان الأبيض وعيش الحياة الوردية التي كانت شقيقتها غنى تصورها لها.

كانت ليلة ثقيلة حين تقدم رجل يكبر الفتاتين بخمسة عشر عاماً يريد الزواج بإحداهن، فما كان من الأب سوى القيام بإدخالهما سوياً حتى يقوم الشاب باختيار الزوجة التي يرغب بها، ووقع الاختيار على شقيقتها فرح التي تحلم بهذه اللحظة.

بدأت الترتيبات من أجل إتمام حفل الزواج، فقد كان العريس يريد الزواج بأسرع ما يكون، وربما كان ذلك يزيد خوف والدتها و غنى ، إلا أن الكلمة الأولى والأخيرة هي للأب فقط. كانت غنى بمجرد أن ياتي ذلك الرجل الغريب إلى بيتهم يزاد تحديقها إلى عينيه لعلها ترى من عينيه الشر أو الخير، إلا ذلك الأمر لا يعلمه إلا الله، ومضت الأيام وانتقلت أختها إلى بيت زوجها ، وأزداد خوفها عليها وحٌزنها على مٌفارقتها للمنزل ،كانت تسألها مراراً وتكراراً عن حالها، وحملت أختها بسرعة، بينما هي انتقلت للدخول إلى مرحلة الثانوية ، وكانت دعواها أن لا تعجب أحداً من الرجال مستجابة من الله دائماً.

كانت المرحلة الثانوية بالنسبة لغنى مرحلة مصيرية لتحقيق حلمها على الرغم من أنها تعلم أن والدها لا يريدها أن تنجح ولا يريد لها أن تكمل دراستها، فهو دائماً ما يردد على مسامعها أنه لن يستطيع تحمل تكاليف دراستها الباهظة، لذلك كان كل هدفها وغايتها أن تنجح بامتياز وتحرز النتيجة التي تؤهلها لتدخل الجامعة. وحدث ما طمحت له، حين استطاعت الدخول إلى الجامعة في تخصص القانون ، دخلت الجامعة وعيناها تدمع فرحاً بأن الله حقق لها كل ما تريد، فيما كانت صحة والدتها في تلك الأثناء سيئة جدا.

مضى العام الأول في الجامعة دون أن تتحدث أو تتعرف إلى أي شخص، إلى أن جاء ذلك اليوم الذي لم تحسب له أي حساب، ذلك اليوم الذي لمعت فيه عيناها لأول مرة ، ذلك اليوم الذي تحولت فيه مشاعرها حين رأته يٌحدق بها وعيناه تغزل خجلاً.

لم تكن تعلم ما السبب، فهي لم تتحرك مشاعرها طيلة حياتها ، فدائماً ما كانت تكره الرجال وتكره الحب والزواج، فكيف لها أن تتجاوز السر الذي شاركته مع نفسها لسنوات عديدة، ذلك السر الذي كان وراء طفولتها الهادئة والقلقة، ذلك السر الذي لم تعلم به شقيقتها التوأم لشدة حرصها على إخفائه هي ووالدتها التي عاشت طيلة حياتها وهي تخبئ جسدها المٌزرق بارتداء الملابس ووضع المكياج، كيف لها أن تتناسى ذكريات الطفولة التي شهدت فيه عيناها ظلماً وقهراً لما كانت تتعرض له والدتها من ضرب وعنف ومِن منَ ؟؟ من الشخص الذي كان يحمل صفة الأب في حياتها، كان عقلها الذي كان يتسم ببراءة الطفولة عاجزاً عن خلق أي تفسير لما يحدث من عنف تجاه والدتها في كل صباح ومساء، كان رؤيتها لوالدتها وهي تحاول القيام من السرير وجسدها مغطى باللون الأزرق موت لطفولتها.

وعلى الرغم من كافة الأسرار المختبئة ومشاعر الكره التي تكنها لأبيها وكافة الرجال، إلا أن شيئا ما لمحته في عين ذلك الشاب كان كفيلاً بقلب حياتها التي تكسوها المرارة إلى حياة مليئة بالحب، وما هي أيام حتى تقدم نحوها يطلب منها الخروج سوية.

أصابها الخوف من الفكرة، فكرة الخروج لأول مرة مع شاب غريب، كيف لها أن تضمن عدم تعرضها للخطف ربما أو للاعتداء، أو ربما قد يراها والدها فيكون قتلها وشيكا جداً، أعتذرت عن اللقاء، إلا أنها وافقت في النهاية.

كان رجلا وسيماً للغاية، يمتلك ابتسامة ساحرة وعقلاً ناضجاً جداً، لم تستطع أن تركز في الكلمات التي كان يتفوه بها من شدة إعجابها به، كان يتحدث بكل أدب وحترام وبالمنطق الذي يفتقر له أباها الذي عرفته في حياتها.

شعرت أنه ملاك ، ليس له شبيه على الإطلاق ، ووافقت على التحدث معه لحين أن يتقدم لها وتتم الخطبة، وبالفعل هذا ما حدث حين أوفى بكامل وعوده وتقدم لها ووعدها أن يسمح بها بالعمل وتقديم كافة المساعدة لوالدتها في الحياة.

باتت الأحداث شبيهة بالحلم، فكيف لها أن تتحول من فتاة كارهة للرجال إلى فتاة متيمة بالحب تعشق رجل ومستعدة للموت من أجله، ساعدها في تخليص والدتها من زوجها الظالم وأوفى بوعوده حتى تكمل عملها وتبدأ في مسار حياتها كمحامية نظراً إلى أنه محامٍ أيضاً وفي نفس المهنة.

جاء اليوم المنتظر وهو اليوم الذي سوف تنتقل به إلى بيت زوجها، كان أجمل يوم على الإطلاق في حياتها، كانت تشعر أن قلبها سوف ينفجر ويخرج من مكانه لشدة فرحها، تزوجت وتمت الأمور على ما يرام، إلى أن تحول الرجل الملاك في نظرها إلى….

كان لا بد له من تحليل شخصيتها ومعرفة مفتاح الوصول إلى قلبها، كان لا بد له أن يحتال عليها ويمثل الدور بكافة الأدوار التي تلين عقلها وقلبها، فتقمص دور المحامي الحنون الذي يمتلئ قلبه بالرقة والكره للظلم والقهر الذي يتعرض له المظلوم، كانت والدتها نقطة حساسة بالنسبة لها، وكان إنقاذه لوالدتها وتشجيعه الدائم لها لتتخرج وتصبح محامية وتساعد كافة النساء اللواتي يتعرضن للظلم دور في إيقاعها بحبه، وما أن أحبته وتعلقت به وأصبحت زوجته حتى بدأ بممارسة الظلم والاضطهاد نحوها، فكيف لها أن تتوقع أن رجل عاهد ربه بمحاربة الظلم سيكون بهذه القسوة، كيف لها أن تدرك إن الشخص الذي وقعت في غرامه أشد ظلماً وقهراً من والدها.

انهارت تماماً عاجزة عن إتمام الامتحانات الأخيرة في فصل تخرجها، فكيف لها أن تتحمل ما تتعرض له من شتم وضرب إذا اقترب منها أحد الزملاء يحاول التحدث معها، باتت تتهرب من الإتصال والتواصل مع جميع الإصدقاء والأقارب خوفاً من زوجها، باتت تصرفاته تزداد ظلماً وقسوة بحجة أنه يُحبها ويغار عليها حتى من نفسه، الى أن جاء اليوم الأخير لها في الجامعة حين حدث ما حدث.

كانت مسرعة من المنزل حين سمعت أسمها من قبل جارة لها متزوجة تدرس معها في نفس الجامعة، عارضة عليها أن تصعد معها فزوجها يقلها يومياً إلى الجامعة قبل ذهابه إلى العمل، أعتذرت منهم بحجة أنها تريد زيارة والدتها قبل ذلك، إلا أن جارتها أصرت عليها معتقدة أنها تخلق الحجج لكونها تخجل كثيراً من الرجال.

صعدت معهم وهي تشعر بالخوف والذعر ملتفة يميناً وشمالاً كي تتأكد أن زوجها لا يراها فيجن جنونه ويخرج عن طوره، وما أن ابتعدت قليلاً عن المنزل حتى بدأ هاتفها في الرنين، لم تستطع أن تجب على الهاتف إلى حين وصولها الجامعة ، فقامت بمعاودة الإتصال به مراراً دون أي رد ، أضاعت الساعة المقررة لمراجعة بعض التفاصيل في المادة وهي تحاول الإتصال به، وما أن حان موعد الإمتحان حتى أغلقت الهاتف ودخلت إلى القاعة.

مضت ثلاث ساعات وخرجت من قاعة الإمتحان ومشاعرها تفيض بالسعادة، فهذا الإمتحان الأخير لها في الجامعة الذي تضمن فيه النجاح، ذهبت مسرعة إلى المنزل لعلها ترى زوجها وتزف له أجمل خبرين ، إلا أنها ما أن وصلت حتى أنهال عليها ضرباً عجزت فيه بعدها عن النطق. أتهمها بالخيانة والغدر، أتهمها بأغلى ما تملك ، لم يسمح لها بالدفاع عن نفسها ولو للحظة، لم يسمح لها حتى بالنطق، تركها غارقة والدماء من حولها، تركها وهي بأشد حاجتها إلى حبه ودعمه، تركها دون أن تزف له خبر نجاحها في الأمتحان وخبر حملها.

فقدت الجنين في تلك اللحظة، كانت تعلم بخبر حملها منذ يومين إلا أنها فضلت أن تخبره بعد انتهائها من الإمتحانات، لم تكن تعلم إن خبر إخفائها الأمر سوف يكلفها خسارة جنينها الذي لم تشاء إرادة الله إن يأتي إلى الحياة لينير عيناها برؤيته ، جنينها الذي توفى بسب الشخص الوحيد الذي وثقت به وأمنت على روحها معه.

مضى شهر كامل على مغادرتها لمنزل زوجها وعودتها إلى والدتها، حاول كثيراً إرجاعها إليه، كانت تشعر بالموت في كل يوم ما بين حبها له، وما بين انكسار قلبها وحزنها على جنينها الذي مات بسببه، ضعفت كثيراً إلا أنها عزمت على عدم السماح له بإيذائها بعد ما حدث، ومضت في حياتها تبدأ أيامها الأولى في العمل بمكتب محاماة. مساء يوم الأثنين عادت إلى المنزل تنادي والدتها بصوت منخفض إلا أنها سمعت صراخاً من داخل المنزل، دخلت مسرعة لترى زوجها في المنزل ، ووالدتها ملقاة على الأرض.

شعرت أن روحها قد خرجت من جسدها آلاف المرات، تمنت الزوال، الموت، الاختفاء ولا أن يصيب والدتها مكروها ًفي الحياة، كيف ستتحمل لوم نفسها على ما حدث، إلا أن اللوم والندم لا ينفع بعد فوات الآوان، فوالدتها دخلت في غيبوبة ثم توفت بعد أيام ، وزوجها هارب من العدالة دون أن يعلم مكانه أحد.

مضى شهران….. جائها اتصال في ساعة متأخرة من الليل، تلك هي اللحظة التي كانت تنتظرها بكامل الصبر، هاتفها زوجها وهو يبكي بحرقة وندم على ما حدث، أخبرها أنه لم يقصد ذلك وأن الأمر حصل في لحظة غضب، تحدثت معه بكل برود وأخبرته بمدى حاجتها له في وحدتها وغربتها ، وأنها تعلم أنه لم يقصد أن يؤذي والدتها أبداً، طمأنته و اتفقت معه على اللقاء بعيداً عن الأماكن التي قد يعثر فيها عليه أحد ، وما أن ألتقيا وأرتمى في حضنها يشكو لها خوفه وجزعه ومتوسلاً منها أن تقف إلى جانبه وتخلصه من هذه المصيبة حتى قامت بشفاء غليلها فغرزت سكيناً في صدره عدة مرات متجاهلة العقوبات و القوانين التي درستها متفانية في الانتقام لأمها و لنفسها.